سعيد حوي

1637

الأساس في التفسير

شهوات وأهواء ونزعات ، لا بد لها من ضابط يضمن أن تؤدي وظائفها في استمرار حياة البشرية وارتقائها ، ولا تتعدى هذا الحد المأمون ، فتؤدي إلى تدمير الحياة وانتكاسها ، وهذا الضابط لا يمكن أن يكون هو العقل البشري وحده ، فلا بد لهذا العقل الذي يضطرب تحت ضغط الأهواء والشهوات والنزعات - وهي شتى - من ضابط آخر يضبطه هو ذاته ؛ ويحرسه بعد أن يضبطه من الخلل أيضا ، ويرجع إليه هذا العقل بكل تجربة ، وكل حكم في مجال الحياة البشرية ؛ ليقوّم به تجربته وحكمه وليضبط به اتجاهه وحركته . والذين يزعمون للعقل البشري درجة من الأصالة في الصّواب كدرجة الوحي ، باعتبار أن كليهما - العقل والوحي - من صنع اللّه فلا بد أن يتطابقا . . هؤلاء إنما يستندون إلى تقريرات عن قيمة العقل قال بها بعض الفلاسفة من البشر ، ولم يقل بها اللّه سبحانه . والذين يرون أن هذا العقل يغني عن الوحي - حتى عند فرد واحد من البشر مهما بلغ عقله من الكبر - إنما يقولون في هذه القضية غير ما يقول اللّه . . فاللّه قد جعل حجته على الناس هي الوحي والرسالة ، ولم يجعل هذه الحجّة هي عقلهم البشري ، ولا حتى فطرتهم التي فطرهم اللّه عليها من معرفة ربها الواحد والإيمان به . لأن اللّه - سبحانه - يعلم أن العقل وحده يضل ، وأن الفطرة وحدها تنحرف . وأنه لا عاصم لعقل ولا لفطرة ، إلا أن يكون الوحي هو الرائد الهادي ، وهو النور والبصيرة . والذين يزعمون أن الفلسفة تغني العقل عن الدين ؛ أو أن العلم - وهو من منتجات العقل - يغني البشرية عن هدى اللّه ؛ إنما يقولون قولا لا سند له من الحقيقة ولا من الواقع كذلك . . فالواقع يشهد أن الحياة البشرية التي قامت أنظمتها على المذاهب الفلسفية أو على العلم ، هي أبأس حياة يشقى فيها « الإنسان » مهما فتحت عليه أبواب كل شئ ؛ ومهما تضاعف الإنتاج والإيراد ؛ ومهما تيسرت أسباب الحياة ووسائل الراحة فيها على أوسع نطاق ، وليس مقابل هذا أن تقوم الحياة على الجهل والتلقائية ! فالذين يضعون المسألة هكذا مغرضون فإن الإسلام منهج حياة يكفل للعقل البشري الضمانات التي تقيه عيوب تركيبه الذاتي ، وعيوب الضغوط التي تقع عليه من الأهواء والشهوات والنزعات . ثم يقيم له الأسس ، ويضع له القواعد تكفل له انطلاقه للعلم والمعرفة والتجربة ، كما تكفل له استقامة الحياة الواقعية التي يعيش في ظلها - وفق